إبراهيم بن محمد الميموني
178
تهنئة أهل الإسلام بتجديد بيت الله الحرام
ونحوها كوقف وبركة ؛ لأن حروفها إنما خلقت ينتظم منها كلامه تعالى وكلام أنبيائه وملائكته ، قال : فكلما خلقه تعالى ينبغي للعبد أن يستعمله في الغرض الذي خلق لأجله من إكرام وإهانة ، فمتى وضعه في غير موضعه لم يجز إلا أن يجئ إذن من الشارع في إباحة ذلك ، ألا ترى إلى الحديث الصحيح في البخاري في باب المزارعة بينما رجل يسوق بقرة يركبها ، فقالت : إني لم أخلق لهذا إنما خلقت للحراثة ؟ فالبقرة لما خلقت للحرث ونحوه أنطقها الله بمعاتبة راكبها ، وإذا قيل يجوز ركوب البقرة ، فإما لدليل خاص وإما بأن يكون الركوب من جملة الأغراض التي خلقت له وإن كانت للحراثة أغلب أغراضها انتهى المقصود منه ملخصا من فتاوى السبكي . قال الشيخ أبو الحسن : وتأمله تعلم أنه متردد في حل ركوبها كما ترددت فيه على أن أول كلامه ربما يميل لتحريمه وآخره يميل لحله ويؤيده حديث الطبراني السابق ، ووجه تأييده أن البقر لو خلق للحرث فقط لم يحل ركوبه في ملته ، فدل ركوب موسى له على أنه خلق للركوب أيضا ، ويلزم من كونه من جملة ما خلق له وأيضا فشرع من قبلنا شرع لنا ما لم يرد في شرعنا ما ينسخه عند كثيرين ، وعلى مقابلة الأصح فالحجة في حكايته صلى اللّه عليه وسلم لذلك وتقريره عليه ، وأيضا فقدم الخلق للشئ لا يدل على التحريم ، ألا ترى إلى قول المفسرين والفقهاء منا في قوله تعالى : وَالْخَيْلَ وَالْبِغالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها « 1 » إنه لا يدل على تحريم الأكل ، وإن سلمنا أنها إنما خلقت للركوب لأن التعليل بالشئ لا يقتضى الحصر فيه بل يكفى كونه أظهر أنواعه هذا مع قطع النظر عن الأحاديث الصحيحة المصرحة بحل أكلها ويؤيده ما قررته في البقر قول الحنابلة : يجوز الانتفاع بالحيوان في غير ما خلق له كركوب البقر والحمل عليها واستعمال الإبل والحمير في الحرث انتهى . وقول ابن بطال من المالكية القائلين بحرمة أكل الخيل في هذا الحديث أي المار ، فالبقرة حجة على من منع أكل الخيل مستدلا بقوله تعالى : « لِتَرْكَبُوها » فإنه لو كان ذلك إلا على منع أكلها لدل هذا الخبر على منع أكل البقر ؛ لقوله في الحديث : « إنما خلقت للحرث » وقد اتفقوا على حل أكلها انتهى . ثم رأيت غير واحد من أئمتنا صرح بجواز المسابقة على البقر بلا عوض وهو ظاهر أو صريح في حل ركوبها ، انتهى كلام الأستاذ الشيخ أبى الحسن البكري نفعنا الله
--> ( 1 ) النحل : آية ( 8 ) .